السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

411

مفاتيح الأصول

في الخلاف والكشف فقال روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال توبة القاذف إكذاب نفسه فإذا تاب قبلت شهادته وسابعها ما ذكر في روض الجنان فقام في مقام الاحتجاج على عدم قبول شهادة القاذف إلا بعد التوبة بالأخبار ومنها القريب من الصّحيح بحماد المجمع على تصحيح ما يصح عنه عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدّا ثم يتوب ولا يعلم منه إلا خيرا أيجوز شهادته قال نعم ما يقال عندكم يقولون تقبل توبته فيما بينه وبين اللَّه ولا تقبل شهادته أبدا فقال بئس ما قالوا كان أبي عليه السلام يقول إذا تاب ولم يعلم منه إلا خيرا جازت شهادته والقوي بالسكوني ليس يصيب أحد حدا فيقام عليه ثم يتوب إلا جازت شهادته كذا رواه الكليني والشيخ أيضا لكن في نسخته ورواه في أخرى بزيادة إلا القاذف فإنه لا تقبل شهادته إن توبته فيما بينه وبين اللَّه تعالى وفي هذه الزيادة منافاة لما ذكره الأصحاب في المسألة لكنها على تقدير صحتها مع خلوّ نسخة الكافي عنها الذي هو أضبط من التهذيب سيّما مع اختلاف نسخته وموافقة بعضها لنسخته كما مضى موافقة للتقية كما يستفاد من الرواية السابقة فلنحمل عليه سيّما مع كون الراوي من قضاة العامة وبالجملة لا شبهة في المسألة سيّما مع عدم الخلاف فيها انتهى وأما المقدّمة الثانية فلظهور عدم القائل بالفصل بين الأمرين ومنها أن التائب من أصحاب الجنة كما يظهر من الكتاب والسّنة فيقبل شهادته ويرجع عدالته لعموم قوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ومنها أنه لو لم ترجع العدالة بالتوبة للزم تعطيل كثير من الأمور كالإمامة والشهادة والإفتاء وغير ذلك لأن الغالب الخروج منها ولو بالغيبة والتالي باطل قطعا فتأمل ومنها أن شهادة التائب لو لم تكن مقبولة للزم افتضاحه والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهرة وأما بطلان التالي فلظهور جملة من الأخبار في أنه تعالى يسّر على التائب بتوبته منها صحيحة معاوية بن وهب كما صرّح به في مجمع الفائدة قال سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبّه اللَّه فستر عليه في الدّنيا والآخرة قلت وكيف يستر عليه قال ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب ويوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى اللَّه عزّ وجلّ حين يلقاه وليس عليه شيء يشهد من الذنوب ومنها خبر أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال سمعته يقول أوحى الله إلى داود النبي يا داود إن عبدي المؤمن إذا أذنب ذنبا ثم رجع من ذلك الذّنب واستحق منّي عند ذكره غفرت له وأنسيته الحفظة وأبذله الجنة ولا أبالي وأنا أرحم الراحمين ومنها خبر المسعودي قال قال أمير المؤمنين عليه السلام من تاب تاب اللَّه عليه وأمرت جوارحه أن يستر عليه وبقاع الأرض أن يكتم عليه ونسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه فتأمل ومنها ما ذكره في مجمع الفائدة فإنه قال والظاهر أن العدالة تعود بالتوبة والعمل الصالح في الجملة وما يدل عليه من الآيات والأخبار كثيرة بل لا يبعد كونه إجماعيا ثم قال والدليل على القول والعود بمطلق التوبة أن المفهوم من العدالة عدم ارتكاب الكبيرة على الوجه الَّذي فهم من رواية عبد الله بن أبي يعفور وذلك يحصل بعدم ذلك ابتداء وبعدم فعلها فيعود بالترك مع الندامة والعزم على عدم العود وإن لم يتحقق بالترك فقط ولأنه حينئذ يتحقق ما يفهم في قبول الشهادة ولأنه المانع فيزول بزواله ولآية القذف فإنها تدل على الزوال وعدم قبول الشهادة وعلى القبول والعود بالتوبة وهي قوله تعالى والذين يرمون المحصنات الآية فيقبل بعد التوبة انتهى وينبغي التنبيه على أمور الأوّل قد تعرض جملة من الكتب لبيان معنى التوبة لغة وعرفا وحقيقتها ففي أوصاف الأشراف لنصير الملة والدين معنى التوبة الرجوع عن المعصية وفي شرح الإرشاد المسمّى بمجمع الفائدة للمقدس الأردبيلي التوبة هي الندامة والعزم على عدم الفعل لكون الذّنب قبيحا ممنوعا شرعا وامتثالا لأمر الله ولم يكن غير ذلك مقصودا وفي الأربعين للشيخ البهائي التوبة لغة الرجوع وينسب إلى العبد وإلى اللَّه سبحانه ومعناها على الأول الرجوع عن المعصية إلى الطاعة وعلى الثاني الرجوع عن العقوبة إلى اللطف وفي الاصطلاح الندم على الذنب لكونه ذنبا فخرج الندم على شرب الخمر مثلا لإضراره بالجسم وقد يراد مع العزم على ترك المعاودة أبدا والظاهر أن هذا العزم لازم لذلك الندم غير منفك عنه والكلام الجامع في هذا الباب ما قاله بعض ذوي الألباب من أن التوبة لا تحصل إلا بحصول أمور ثلاثة أولها معرفة ضرر الذنب وكونها حجابا بين العبد ومحبوبه وسموما قاتلة لمن باشرها فإذا عرف ذلك وتبعه حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألم لفوات المحبوب والتأسف من فعل الذنوب وهذا التألم والتأسف هو المعبر عنه بالندم وإذا غلب هذا الألم حصل حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة لها تعلق بالحال والاستقبال والمضي فالمتعلق بالحال هي ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب والمتعلق بالاستقبال هو العزم إلى عدم العود إليها إلى آخر العمر والمتعلق بالماضي تلافي ما يمكن تلافيه من قضاء الفوائت والخروج من المظالم فهذه الثلاث أعني المعرفة والندم والقصد إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول وقد يطلق على مجموعها اسم التوبة وكثيرا ما يطلق على الثاني أعني النّدم وحده ويجعل المعرفة مقدمة لها وذلك القصد ثمرة متأخرة عنها وقد يطلق على مجموع الندم والعزم هذا وقد عرفها بعض أصحاب القلوب برجوع الآبق عن الجرم السّابق وبعضهم بإذابة الأحشاء لما سلف من الفحشاء وبعضهم بأنها خلع لباس الجفاء ولبس بساط الوفاء وفي بعض مؤلفات الصّدر الشيرازي التوبة الرجوع من الذنوب إلى الطاعة للَّه تعالى ثم قال ومن معانيها ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال والتدارك لما سبق من التقصير وفي شرح الكافي لجدي الصّالح التوبة الرجوع عن الذنب لقبحه